Kurdî  |  Tirkî

المرأة في المجتمع العبودي

إن عهد الحضارة العبودية، الذي يشكل أولى حلقات سلسلة تاريخ المجتمعات الطبقية ويبدأ بالسومريين ليستمر مع الحضارات البابلية والآشورية والمصرية وغيرها؛ يشكل مع بدء ظهور القيمة الزائدة وولادة الملكية الخاصة وما نجم عنهما من فرز طبقي. وتعبّر الحضارة العبودية، التي عرّضت الإنسانية للبطش والطغيان والتعذيب والعنف اللامحدود، عن العهد الذي شهد الفرز الطبقي بأحدّ وأشدّ أشكاله نظراً لممارسة القهر والاستغلال الفظ بأقسى أشكاله فيه.

 

و نموذج أول دولة أُسِّستْ في أراضي ميزوبوتاميا من الحضارات المعتمدة على الزراعة كان تنظيم الدول السومرية المدنية الذي تطورت هيمنة الرجل بمحاذاته تصاعدياً. أما أولئك الآلهة الذين استلموا العرش والجاه سواء على وجه البسيطة أو في أديم السماوات، والذين جعلوا أنفسهم منبع كل ما هو مادي ومعنوي في الدنيا؛ فتحولوا مع مضي الزمن إلى "ملوك- أرباب" يتحكمون في السلطة الإلهية ويجمعون كل الصلاحيات والامتيازات اللامحدودة في أيديهم بعد أن أنزلوا كل القوى والسلطات والحاكميات الإلهية من كبد السماء إلى وجه الأرض، ليشرعوا بعدها في شن الحروب والمعارك بهدف التوسع والانتشار.

هكذا، ورغم ابتعاد المرأة رويداً رويداً عن وضعيتها السابقة في التأثير والتعيين، وتجردها من مكانتها الأولى خطوة تلو الأخرى، إلا أنه يمكن مشاهدة بعض الرموز الأنثوية أو استمرار تواجد الإلهات الإناث مثل عشتار، وذلك بسبب التأثيرات المعنوية العميقة المتأصلة في المجتمع والمتأتية من العهد الأمومي. لكن، وبظهور البابليين يتم جزم ابتعاد المرأة وإسقاطها من مرتبتها الأولى في السلطة، حيث يقوم إله البابليين "مردوخ" بإلحاق الضربات المميتة المتتالية بالإلهة الأم "تيامات" لتُطرَد بذلك من عرش الآلهة وتُبْعَد عن المجالس الإلهية.

أي أنه، و منذ أعوام الألفين ق.م عانت ثقافة الإلهة الأنثى وكل ما يشير إليها أو يعبر عنها من ألفاظ ميثيولوجية من اندحار مريع وتعرضت للتهميش والتهشيم. ولهذه التغيرات علاقة وثيقة بانحطاط موقع المرأة الاجتماعي، فالذكورة – الهيمنة الذكورية – غدت مبدأ يعزز نفوذه في بنية المجتمع والدولة على السواء، بينما أصبحت المرأة في الحضيض وبدأ كل ما كان يعود للمرأة في الماضي من جماليات، وكل ما يحمل لونها وطابعها بالتلاشي والتواري من صفحات التاريخ.

وبتحويل الهيمنة الذكورية كلَّ القواعد الموضوعة إلى نظام قانوني يعتبر النموذج الكتابي الأول الناشئ في الإمبراطورية البابلية العبودية باسم "قوانين حمورابي"؛ عملت على إخراج المرأة من كونها كيان مستقل على الصعيد القانوني أيضاً، ليتم التصديق بذلك قانونياً على عبودية المرأة المجردة من كافة حقوقها في الملكية والإرث. تمثل هذه الخطوة مرحلة هامة للغاية في العبودية الجنسية والطبقية إذ تمهد السبيل بدورها لحصول أعظم مأسسة حينها، وتفتح الباب على مصراعيه للسلطة المطلقة بمساواتها مع سلطة الرب. أما المرأة فقد طرأ على انزوائها المستمر في عبودية المنزل وبيوت الدعارة تحولات بحيث تأصل وضعها أكثر و تمأسس وأصبح تشريعاً مرسوَّاً. وتضمنت هذه الدساتير المسننة أحكاماً جزائية مجحفة للغاية بصددها تحت اسم حماية مؤسسة الأسرة بشكل خاص.

هكذا صارت هذه الحقبة الزمنية بداية تاريخ اندحار واستعباد جنس المرأة حيث قامت الهيمنة الذكورية التي بدأت مع البابليين ونضجت في عهد الآشوريين وتر سخت إلى أن وصلت إلى يومنا الراهن؛ بالإطباق على "عهد الإلهات الإناث" إلى ما لا رجعة. فاضمحل تأثير الإلهة الأم كرمز لـ"الحياة والإبداع" مع مرور الزمن وبدأ زمن الآلهة الذكور بالظهور، حيث تحول الرجال الذين حازوا على المعرفة والحكمة على طريق الأنسنة بفضل معارف الإلهة الأنثى وكانوا مجرد أبناء، أزواج، أخوة في البداية؛ إلى "الإله الخالق" في كنف معابدهم التي شيدوها فيما بعد. هكذا حل الرب "دوموزي" محل الإلهة "عشتار". وفي مصر حل "أوزيريس" محل "إيزيس"، و"أدونيس" محل "أفروديت" في اليونان. و تبنى أولئك الأرباب الذكور كل ميزات وسجايا الإلهات الإناث السامية، ونبذوا شكل السلطة الأمومية السالفة لهم.

تنقلب أوضاع المرأة رأساً على عقب لتعاني نسفاً وتجريداً جديين من المجتمع مع تمأسس المجتمع العبودي وانتشاره على وجه الخصوص. ونخص بالذكر هنا التغيرات الطارئة على علاقات الإنتاج وما نجم عنها من ازدياد أهمية القوة العضلية في العمل، حيث استغل الرجل هذه الظروف ليُبرِزَ مدى تفوقه في القوة العضلية في الصدارة. وبالتذرع بحقيقة الإنجاب لدى المرأة ومحدودية قوتها الجسدية فُرض عليها التجريد من الساحة الإنتاجية.

إضافة إلى ذلك نشطت الخصائص العسكرية الكامنة في جوهر الرجل مع نشوب الحروب واندلاع المعارك كوسيلة أساسية لانتشار العبودية وتوسعها، وأبرز الرجل ذاته وتألق نجمه مع إرساء نفوذه اعتماداًً على العنف والقمع. وبالمقابل فلم ترجح المرأة تدعيم موقعها عن طريق الحرب بسبب مناقضة جوهرها لممارسات العنف والضغط، مما نم ذلك عن سوء استعمال الرجل لهذه النقطة، فراح يُضعِف التأثير الاجتماعي للمرأة ويُهزِلُه مستفيداً في ذلك من نفوذه المتزايد باطراد. وبينما آلت هذه التغيرات إلى حدوث تفاوتات واختلافات في العلاقات الاجتماعية بين الجنسين، وعلى الأخص تقهقر موقع المرأة واضمحلال دورها من جهة؛ قام الرجل باختراع الوسائل واكتشاف الأساليب اللازمة لتدعيم تمايزه وخاصياته على الدوام متكئاً في ذلك على القوة من جهة أخرى.

بينما ارتقت المرأة في العهد الأمومي بتحديدها لمسار محرمات الحياة ونظام القيم الاجتماعية ضمن إطار اشتراكي متساوٍ انطلاقاً من السمو الناجم عن دورها الفعال في الإنتاج وخصوبتها المقدسة في الإنجاب؛ نلاحظ فيما بعد، وبتغير الدور في الإنتاج وانعكاسه على كافة الشؤون الاجتماعية الأخرى، وباستيلاء الرجل على "سن الشرائع" وحيازته عليها؛ أنه قد حطم سلطة المرأة الطبيعية السابقة ودمر تأثيراتها المعنوية التي كانت موجودة من ذي قبل. إذ أخَلَّ بالعقد الاجتماعي المرسوم من قبل المرأة سالفاً، وعمل على تأمين ديمومة تسلطه واستعماره عبر القوانين التي سنَّها هو من جانب، وحوَّل إرادته إلى إرادة مطلقة لاتقبل الجدل وأرغم المرأة على الدخول تحت ولاية الأب أو الزوج عليها من جانب آخر. وقد حقق الرجل أغلب نفوذه وسطوته وضيَّق الخناق وحَدَّ من إمكانيات العيش للمرأة في أرضية الأسرة الأبوية المؤسسة بغية الحفاظ على الملكية الخاصة العائدة له وتأمين امكانية انتقال الإرث وفق النسب المعتمد على الأب.

تعد الأسرة الرومانية الناشئة في أحضان الامبراطورية الرومانية العبودية النموذج الأول الضارب للنظر للأسرة الأبوية في التاريخ. فالأسرة التي تعتبر الخلية الصغرى ولكن الأكثر تأثيراً في التنظيمات الاجتماعية التي دَعَّمت فيها كافة الأنظمة الاستعمارية ذاتها منذ ولادتها إلى يومنا الحاضر؛ صدَّقت عليها وصوَّبتها كل الدول والسلطات الدينية، وأصبحت مؤسسة مبنية على " العبودية المنزلية" للمرأة وانزوائها فيها بحيث غرقت في عبودية أعمق وأشمل من كافة أنماط العبودية الأخرى، ذلك أنه ثمة ديكتاتورية واستملاك متمركزان حول الرجل ومُحْدِقان بالمرأة ضمنها.

هكذا يتحكم الرجل بالمرأة لدى زواجه منها على أساس القوانين التي سنها هو لصالحه، ويمارس عليها القهر ليس على الصعيد الجسدي فحسب، بل والروحي والفكري أيضاً، ولا يعترف بحقها في الحياة. ولا يبقى في يد المرأة حيلة سوى وهب ذاتها لإسعاد الرجل وإشباع رغباته من كل النواحي. وبينما يُشتَرَط في الزواج الأحادي المطبَّق في الطبقة العليا في العهد العبودي على المرأة أن يكون لها زوج واحد تُخْلِص له وترتبط به طوال عمرها؛ فإنه غض النظر الرجل ليكون له إلى جانب حياته الزوجية علاقات جنسية تشبع نزواته وشهوانيته، بل وأباح له ذلك شرعاً، مما مهد بدوره لولادة مؤسسة الفحوش والبغاء التي حافظت على وجودها إلى يومنا هذا، والتي أدت بدورها إلى تصنيف جنس المرأة إلى صنفين : امرأة خاصة تعود بعضوها الجنسي وخصوبتها لرجل واحد يتملكها، وامرأة عامة تعود بعضوها الجنسي إلى كل الرجال وتسمى العاهرة. كما ظهرت أصناف الجاريات، العاهرات، النبيلات بين صفوف المرأة أيضاً. بمعنى آخر فقد تأصلت الهوة وتوسعت الثغرة بين النساء المقسمات إلى متزوجات وعاهرات عن طريق مختلف القواعد الاجتماعية. هذا بالإضافة إلى التقسيم إلى طبقات وفقاً للموقع الذي يشغله الرجل الذي ترتبط المرأة به، فأضحت تعاني من تشتت وانفراط فظيعين تجاه الحاكمية المطبقة عليها.

أما امرأة الطبقات الحاكمة، وبسبب الإمكانيات المادية والرفاهية التي تنعم بها، ولكونها لم تزج في وضع العبودية بشكل مباشر، فإنها تدخل في خداع وزيف كبيرين باتحادها مع سلطة الرجل، وترفض بنات تجنسها وشقيقاتها اللواتي يحتللن أمكنتهن بين صفوف الطبقات المسحوقة. وفي الحقيقة، فالحياة المغرية لممارسة الأنوثة في السرايا، أصبحت حياة الهزيمة النكراء التي تكبدتها المرأة، ذلك أن المرأة – أياً كانت طبقتها- لم تتعرض للاستعمار الطبقي فحسب، بل عانت من استعمار جنسي أعنف وأشد، مما نمَّ عن تجسيد متجذر لعبودية لاحدود لها في نهاية المطاف، سواء كانت في السرايا والقصور أم في سوق النخاسة في أحضان العهد العبودي. هكذا فإن النساء اللواتي عشن مع بعضهن في بقعة واحدة في كنف العهد الأمومي، واللواتي قمن بسن القواعد والضوابط الداخلية للجماعات عبر الطواطم والمسلمات وتحويلها إلى عَقْد اجتماعي يشمل الجميع؛ ابتعدن رويداً رويداً عن أجواء المشاطرة والجماعية والارتقاء ببعض والحب المتبادل الناجم عن الوحدة المتراصة، وتَشَكَّلن فيما بعد بمقتضى مصالح الرجل الذي صار يسن القواعد.

وفي نهاية المآل فالعهد العبودي – مثلما استخلصنا من كافة هذه التطورات التاريخية- هو المرحلة التي أرست فيها الأيديولوجية الذكورية التسلطية دعائمها وتجذرت بكل أبعادها كأيديولوجية حاكمة وحيدة. وفي السياق التاريخي تم أولاً طمر الأيديولوجية المتمحورة حول المرأة، والتي حكمت وشاعت في الأراضي لأول مرة، ومن ثم تم رويداً رويداً إخماد النزاعات والصراعات المتداخلة القائمة بين الأيديولوجيات المناقضة لبعضها والمتمركزة بعضها حول المرأة وبعضها الآخر حول الرجل، والتي أسفرت عن مخاضات أليمة سادت في الفترة الانتقالية من السلطة الأموية إلى السلطة الأبوية ومن ثم القضاء عليها لتفلح الرجولة في القيام بحملة أيديولوجية جديدة منفصلة وبحد ذاتها في النهاية.

لقد عمل الرجل أولاً على تشتيت وتبديد كل ما اخترعته المرأة وأوجدته بدءاً من علاقات الإنتاج وحتى الحياة الاجتماعية والقيم المعنوية، ومن ثم جنح لتشتيتها وتمزيقها هي أيضاً وتجريدها من أنوثتها الحقة، فافتقرت الإلهات الإناث إلى سجايا القوة والإبداع والحماية، وغدت المرأة مصدراً للقبح والسيئات والمنكرات بعد أن كانت منبع الحياة. وانعكست آثار هذه المرحلة المثقلة بالتحول الأيديولوجي ذي الهيمنة الذكورية المتسللة إلى كافة خلايا الحياة ونواحيها؛ على كافة المجالات والميادين بدءاً من الأدب إلى الفن ومن الفلسفة إلى العلم، لتصبح هذه الميادين بدورها ثمرة من ثمار عالم الرجل الذي لم تتمكن المرأة من اختراق حدوده والولوج فيه. فالنساء المعدومات من أيديولوجياتهن غدون شخصيات ينتمين لعالم آخر لا يمت لهن بصلة، بحيث جُرِدن فيه من القوة وسلبت منهن إراداتهن. وإزاء تزايد تعطش الرجل للسلطة ولهفته على التوسع والانتشار، تقوقعت المرأة على ذاتها أكثر، وتدنى شأنها وتعقد لسانها وصارت صماء، وأضحى العقم والانسداد واليأس والبؤس فيما بعد فلسفة الحياة بالنسبة لها لتقبل بها وتذعن لها في أيامها اللاحقة.

وفي حين حظيت الذكورة بقيمة مقدسة تستوجب التبجيل والعبادة والخدمة، فإن الأنوثة زجت في الحضيض وغدت في أسفل السافلين. هكذا، وبينما أشادت العبودية ببداية أمَرّ صراع دار بين الإنسان وأخيه الإنسان، فقد أضحت بالمقابل الأرضية التي تأصل فيها اغتراب الإنسان عن أخيه الإنسان وتجذَّر انفصاله الروحي والعقلي عن ذاته. وبينما نزف الرجل من إنسانيته وافتقر إليها في غمرة الأجواء الوحشية، وصل الجنسان اللذان عاشا من ذي قبل في كنف النظام الاجتماعي الذي خلقته المرأة ضمن أجواء تعمها السعادة والمساواة ويستتب فيها السلام والأمن؛ وصلا إلى حافة الانفصال عن بعضيهما، لتزداد بذلك حدة الاغتراب بينهما وتستمر إلى يومنا الراهن.

في الحقيقة، ونظراً لأن الناس عجزوا عن شطب أيامهم الجميلة الرائعة التي عاشوها في العهد الأمومي من ذاكراتهم، ولأن توقهم لم يزل غضاً وحنينهم نضراً للماضي القريب الذي لم يمض عليه زمن طويل ولهذا المجتمع المثالي الذي خلفوه وراءهم؛ فإن العهد العبودي مر مثقلاً بوحشية فظيعة واشتباكات ضارية وبحور دماء أفظع من أي مرحلة تاريخية أخرى تلته؛ وذلك بسبب الخوف الذي حل بالحكام المهيمنين من آمال الشعوب والنساء في العودة للماضي القريب وما يتضمن ذلك من مخاطر بالنسبة لهم. وفي غمرة الحروب التي لا تعرف الحدود ولا الهدوء، والمجاعة المتفشية في الأصقاع والبطش والطغيان المؤديين إلى إراقة بحور الدماء؛ في وسط مريع كهذا اضطرم الحنين واحتد الشوق أكثر لخيال "يوتوبيا" المجتمع والعهد النيوليتي في أفئدة كل المسحوقين والعبيد، وعلى الأخص النساء. وبدأت الشعوب المستعبدة برجالها ونسائها الأسرى يهرولون ويلهثون وراء خيالهم وآمالهم في الحرية التي خسروها والجنة التي أضاعوها، فزدادت النقمة وفاض الغضب المتراكم مع مرور كل يوم، وغدا كبح لجام العداوة أمر مستحيل. ولهذه العلة كان عصيان سبارتاكوس الحاصل فيما بين عامي (73- 71 ق.م.) تعبيراً صارخاً عن آمال العبيد والنساء في التحرر والخلاص من نير عبودية الامبراطورية الرومانية التي كانت تمثل قمة البطش والطغيان والإجحاف. لقد سعى الطغاة المهيمنون إلى تجفيف آمال التحرر المتبرعمة حديثاً لدى المسحوقين، فقاموا بإبادة هذا التمرد بوحشية دموية شنيعة كونه- أي التمرد- يمثل خيال وإيتوبيا الحنين إلى الوطن الجنة، في عالم المجتمع المشاعي البدائي المتساوي والمتكافئ الآمن. وهكذا هدفوا لإبادة الشعوب- كما المرأة- وطمرها في أعماق التاريخ.

لقد أصبح عصر العبودية نقطة البداية لاغتراب المرأة عن ذاتها وعن بنات جنسها وهي لم تكن قد أتمت تقدمها في مسار التاريخ ولم تكن قد وجدت هويتها بعد. وهنا يكمن مربض انعدام هوية المرأة الذي استمر إلى يومنا هذا، حيث عجزت آنذاك عن تبني ميراثها في العهد النيوليتي المنصرم أو الدفاع عنه بشكل صائب، وتركت نفسها للمستقبل الآتي بلا أصول ولا تاريخ. فجُرِّدَت بالتالي من قوتها وقدراتها لدرجة لم تعد قادرة فيها على رفض حكم الرجل وبطشه، فسُلِبت منها إمكانية العيش، وانزوت في البيت، وضاقت دنياها، واشتُرِيَت وبيعت في أسواق النخاسة. هكذا غدت تابعة للرجل أكثر فأكثر، وتمركزت تكوينتها بعد ذلك - بدءاً من بدنها إلى فكرها ومن مشاعرها وأحاسيسها إلى روحها- حول الرجل، واندلجت في حصار نير العبودية والأغلال.

وبخصائص الفتنة والفساد والمكائد والمكر والصراعات الداخلية التي جذرت عبودية المرأة أكثر، ازدهرت براعم خصائص المرأة العبدة الكلاسيكية في هذه الأرضية الخصبة لتجسدها في شخصيتها وتحملها معها إلى حاضرنا. وبالتالي تطبعت امرأة العهد الأمومي المفعمة بالسلم والأمن والجماعية والتنظيم، بخصائص المتسلط عليها، لتعيش مرحلة القبح في الشخصية وتغوص فيه كلما اكتسبت من الرجل طبائعه المتخلفة، ولتتحول من امرأة متحلية بالمجد الإلهي النبيل والمكانة المرموقة ومن ينبوع الاحترام المعنوي إلى امرأة أصبح الصمت والإذعان والانصياع للغير والطاعة بمثابة سمات رفيعة مثلى لديها. وبذلك أصبحت المرأة المفتقرة للتنظيم من الأعماق والغائرة في بحر الخنوع والانقياد، مصدر الجسارة للرجل المتسلط ودعامة قوته وقدرته، ليترك بصماته على التاريخ بهذا المنوال.

أما التقدم الحاصل في هذه الفترة والمسفر عن إنجازات متنوعة غزيرة، فلم يُعتَمَد عليه قط بل بقي على الرف مهملاً بسبب الاعتماد على العبيد بالذات بهذا الصدد، حيث أن هذا التزمت قد بدأ منذ توطيد الحاكمية على كافة وسائل الإنتاج المخترعة في العهد النيوليتي واحتكارها. فالحِرَفيّ لم يعد يتمتع بالحرية كما كان عليه سابقاً. وبينما ازداد عدد المستهلكين البعيدين عن الإنتاج باضطراد من جهة، ازداد حرمان الفئات المنتجة من التمتع بالإفادة من منتوجاتها من الجهة الأخرى. فاتسعت موجة الثورة الذهنية والتمردات الطبقية وانتشرت، حيث أن الضائقات المتفاقمة والمتفشية تصاعدياً تزيد من حدة الصعوبات في كل مرحلة هامة وتعمق من الشكوك في العقائد السائدة، لتسود القناعة بأن الآلهة لا يمكن أن تكون ظالمة لهذه الدرجة، وتنعكس بذلك في الوتيرة والذهنية والروح. واستمرت الحال لتتفاقم معها مشاعر "التمرد والاستنجاد" تعبيراً عن عدم القدرة على تحمل "الآلام" أكثر من ذلك.

وتكاثرت إمكانيات التمردات والتصديات في الخارج، لتتأسس في كافة الأرجاء جبهات "فيدراليات القبائل" لهذا الغرض، وتبدأ المقاومة والتحدي للإمبريالية العبودية السائدة، مما مهد ذلك السبيل لتكوّن دويلات جديدة عديدة تنخر في جسد النظام القائم وتزيد من إضعافه من جانب، وتشتعل لديها شرارة روح الهجوم للدفاع عن الذات وحمايتها بشكل أدهش كافة البنى الإثنية الموجودة في الشرق الأوسط من جانب آخر. وفي حين تتسع الأرضية الاجتماعية وأكبر وأعظم العقائد والذهنيات في التاريخ وتنتشر بسرعة مذهلة، شرع عهد الأنبياء العظماء رواد المتمردين الروحانيين وقواد الأنظمة العقائدية الكبيرة، وعهد الأديان التوحيدية بفرض ذاته كضرورة لا مناص منها. وازداد ثبات فكرة المسيح المرتَقَب "الفكر المنقِذ" - الذي طال انتظاره- في الأذهان مع مرور الأيام. لم يكن هذا مجرد تغير في العقيدة، فالعقلية التي ما فتئت تدرك حقيقة الملوك- الأرباب، وأنهم أناس كغيرهم، ولم تعد الميثيولوجيا واللاهوت يشبعها ويرويها، مما أدى إلى انقطاعها عنه؛ باشرت الدخول في عصر تاريخي بدأت الأفكار الفلسفية تفرض ذاتها فيه.

غدا ميلاد الأديان التوحيدية بعد هذه الحقبة يعني الثورة في ذهنية الإنسانية وبُناها الأخلاقية والمعنوية، فظهورها في أحلك مراحل تأزم التطور الاجتماعي وتفسخه، يعكس سماتها الثورية من جانب، ويشير إلى ماهية العقلية الجديدة والتمأسسات الجديدة المفروض تكوينها من جانب آخر، مما خلق ذلك تطورات تاريخية عظيمة معه. أما دور مؤسسة النبوة الجازم في تعديل ما تبقى من النظام العبودي وإطراء المرونة عليها فهو أمر لا ريب فيه.

يعتبر تخطي مرحلة الملوك- الأرباب الذين يطبقون قوانين الطبيعة على ذهن وروح الإنسان عن طريق ظهور التيارات الدينية الجديدة المتطورة والمؤمنة بوجود إله واحد كبير يطلب الحساب حتى من الملوك- الأرباب أيضاً؛ يعتبر ثاني أعظم حركة حضارية تنشأ في منطقة الشرق الأوسط. ومن الساطع تماماً التقدم الذي أحرزته شرائع الأديان التوحيدية - رغم الميوعة والانحلال والاهتراء الذي حل بها فيما بعد- في بنية منطق الإنسان والجهاز الإداري في الدولة. ونخص بالذكر هنا الحد من استخدام "القوة اللامحدودة- المطلقة" مع ربط البنية السياسية أيضا بالشرائع الدينية وتداخلهما. وقد حاكى هذا التغيير الجذري في البنية الفكرية، حدوث قفزة هامة في تطور المنطق أيضاً. كما لعب النضال المسيّر باسم الأديان التوحيدية دوراً رئيسياً في تجاوز مرحلة الامبراطوريات الثلاثة "سومر-  آشور، مصر، روما" التي شهد التاريخ أطول وأزهى فتراتها.

كل الأنبياء في الأديان التوحيدية المبتدئة مع سيدنا إبراهيم، ذكور. ولا مكان للمرأة في أنظمتهم لأنها لديهم أقرب ما تكون إلى الشيطان. إذ نلمح بشكل صارخ تأثير الفكر البابلي على سيدنا إبراهيم، والفكر المصري على سيدنا موسى في تهميش دور المرأة التي كانت خلال السياق الاجتماعي، أو بالأحرى خلال المراحل الحضارية، في موقع المهزوم دوماً منذ أعوام 2000 ق.م.، حيث تزداد حدة الفرز الطبقي والتفاوت الجنسي بشكل لا يمكن لجمه. ونخص بالذكر هنا حادثة طرد آدم وحواء من الجنة، حيث ترمز إلى التعبير الميثيولوجي الرئيسي لبداية الفرز الطبقي.

المرأة في الأديان التوحيدية تعتبر جنساً منصاعاً للعبودية ومخلوقاً للرق سواء في المجتمع أو في النظرية الأيديولوجية وانعكاساتها، فهي منكمشة على ذاتها من كافة النواحي وتلوذ بالصمت والإطباق على فمها وإحكام لسانها. لم يتبقَّ أي أثر يدل على عهد الإلهات الإناث، فالمرأة غدت المسؤولة الأولى والمذنبة الرئيسية لأنها في الماضي هي التي حثت آدم على ارتكاب الإثم. ونشاهد هنا إضفاء صفة الشرعية على ارتقاء الرجل بشكل ضارب للنظر لإرسائه وتعميمه ارتكازاً إلى الدين والميثيولوجيا التي ينبثق منها. هذا بالإضافة إلى السمو بعصر السلطة الذكورية على كافة الأصعدة لتكون الممثل القدسي للدين. وبالمقابل نتلمس تطويراً خبيثاً داهياً لتاريخ العبودية الجنسية.

هكذا، وفي حين تُحَمَّل الأديان مهمة الحد من التبجيل والتمجيد المعنوي للمرأة على وجه الخصوص، نرى أن الحياة الاجتماعية قد طرأ عليها التغيرات مع ظهور الأديان التوحيدية بحيث أُلحِقَت بتكوينة جديدة تشمل حتى أدق التفاصيل، وبلغت نظاماً له قيمه ومقدساته الجديدة. ومُنِح الرجل ميزة "إطلاق الاسم" أي "تسمية الغير" بما فيهم المرأة، لإبداء أولوية سلطتهم في كافة الأديان التوحيدية، بالإضافة إلى تجسيد قدرة الخلق والإبداع في الرجل بالذات.

ويقوم الدين اليهودي الذي عزل المرأة عن الحياة والأنشطة الاجتماعية وطردها منها وخنقها تحت ثقل وطأة شرائعه وقوانينه المجحفة أكثر من أي دين توحيدي آخر؛ يقوم بمأسسة السلطة الذكورية على الصعيد الأيديولوجي بادئ ذي بدء. ويُقْبِع المرأةَ في قعر نير العبودية بعد تهميشها وتهشيشها، بعد أن كان في نشأته ديناً ونظاماً عقائدياً مناهضاً للعبودية وساعياً لتأمين حياة أكثر رفاهية للعبيد، وداعياً لذلك تحت اسم "القوم" أو "الأمة". وبشن هجوم عاتٍ على أنوثة المرأة الجنسية وبدنها وخصوبتها يُقحِمها تحت مراقبة شديدة لأنها" وحسب التوراة، تسببت في سقوط البشرية بتمردها على أوامر الرب، وحرَّفت الرجل عن الطريق السوي.

وبينما يُحِلُّ الدين اليهودي اللعنة على المرأة وينقم عليها لأنها مصدر السيئات والذنوب ممثلةً في حواء من جانب، يضفي المشروعية على تدني مكانة المرأة إلى المرتبة الثانية في الحياة من خلال العقاب المطبق بحق حواء من الجانب الآخر. وبينما يعتبر شهوة المرأة الطبيعية إثماً وذنباً فيحدّها بقواعد أو شرائع دينية صارمة، نراه يعطي الرجل الحق في تعداد الزوجات وامتلاك الجاريات بلا حدود. فالمرأة في اليهودية لا تلقى الاحترام والتمجيد إلا كـ"أم" فقط، بل وحتى أن دورها اقتصر على كونها "حاملة" أو "ناقلة" للجنين في بطنها أثناء عملية الحمل، لذا فهي المساعدة للرجل والمتممة له، وهي عنصر ناقص تابع للرجل. وباقتضاب، يمكننا القول أن الدين اليهودي- كأول الأديان التوحيدية- قد وضع اللبنة الأساسية لميراث الثقافة الذكورية المتسلطة للأديان التوحيدية اللاحقة له، لتتجذر أكثر على مر التاريخ.

المرأة المتلاشية والفانية بكل ما فيها في الدين اليهودي الذي ختم ختمه بمواقفه الأبوية التسلطية الطاغية على الترتيبات الاجتماعية في العهد العبودي؛ ترى بصيصاً من الأمل، ولو ضئيلاً، مع نشوء الدين المسيحي في نهايات العهد العبودي. نشأ الدين المسيحي المنبثق من ظروف العبودية الثقيلة الوطأة في امبراطورية روما، كرد فعل- ولو جزئياً- على النزعات والميول البطريركية المتأصلة في العادات اليهودية. ولسعيه في سبيل حياة يعمها العدل والمشاطرة المتكافئة معتمداً في ذلك على التسامح والحب، وانطلاقاً من ميزاته الإنسانية؛ انتشر الدين المسيحي بين صفوف العبيد والنساء على الأرجح. ولتحليه بأبعاد معارضة للنظام السائد، ظل عرضة للقمع والقهر المكثفين طيلة القرون الثلاثة الأولى من نشأته. ولإيمانه بمساواة المرأة مع الرجل تجاه الرب، فرض الزواج الأحادي على الرجل أيضاً وأوجب عليه الصدق والإخلاص في الزواج. ولو أنه لم ينبذ فكرة مؤسسة الأسرة، إلا أنه حَسَّن من وضع المرأة فيها بعض الشيء، وأعطاها إمكانية امتلاك فرصة حياة بديلة تَهِب فيها المرأة ذاتها للرب- ولو رمزياً- وتحافظ على عذريتها بعد أن تصبح خطيبة عيسى (قرينته). ومقابل استحقار الدين اليهودي للمرأة والحط من شأنها، يتقرب سيدنا عيسى منها أكثر بجوهره السلمي والإنساني السَّموح. ولهذه العلة كانت النساء أول من اقتفى أثر سيدنا عيسى وأكثر من تبنى نهجه وأيديولوجيته سواء أثناء صلبه أو فيما بعد. لكن المسيحية من الجانب الآخر صادقت على الأخلاق التقليدية التي تدين بالجسد والجنس، فأدرجت جسد المرأة تحت المراقبة من جوانب متعددة. وبإبراز سمات "الأم مريم، المرأة الطاهرة العفيفة العذراء" في الصدارة، نظر إلى ممارسة الجنس على أنها نجاسة ودناءة.

هكذا يجرد المرأة من كونها "البركة والخصوبة والجنس" كرمز طبيعي تُذْكَر به، ويعكس علاقة (الأم- الابن) المقدسة لتحل محلها علاقة الثالوث المقدس (الأب- الابن- الروح القدس)، وابتعدت مريم الأم عن الإلهة إينانا والإلهة عشتار كثيراً. ولهذه الخطوة النصيب الأوفر والدور الهام في إلحاق الضربة القاضية بالإلهة الأم "تيامات" من قبل الإله "مردوخ" في الأسطورة البابلية، وقمعها في البيت تماماً مع ظهور موسى لتتوارى بذلك آخر آثارها المتبقية وتُشطَب من التاريخ. وبولادة عيسى تدنت مرتبة المرأة لتصبح وسيلة إنجاب لا غير، وتقبع في الحضيض بعد أن توارت آثار مريم واختفت تأثيراتها. فالرب نفخ فيها لتنجب. وهذا ما معناه السلطة المطلقة للرجل. والنفخ هنا ما هو سوى رمز للحاكمية والنفوذ، حيث لم يتبقَّ للمرأة أي دور سوى حمل الجنين في بطنها وتنشئته في حضنها.

والخاصية الأخرى الهامة هي تعبير "الروح القدس" الدال على عملية "النفخ" تلك، ليتم بذلك تحريف القوة الإلهية الواجب تمثيلها في المرأة، ونصبها منها بدءاً من مريم. وفي الحقيقة، فلهذا الموضوع أهمية قصوى على الصعيد الأيديولوجي، إذ ستلعب هذه الهوية الأيديولوجية دوراً محدِّداً في افتقار المرأة لفاعليتها وتأثيرها لتتبدد أكثر وتتلاشى في العهد الإقطاعي أكثر. ومنذ ذاك الوقت وكل مريم "امرأة" هي مهمشة، بكماء، تنتحب أولادها خِفيةً، مذعنة لرجلها ومنصاعة له على التمام وكأنها حبيسة أسيرة منذ الأزل وإلى الأبد. ومثلما أن هذا الوضع لا يمتُّ بأية صلة لطبيعة المرأة، فله علاقة وثيقة بالمقابل بالسلطة السياسية القصوى للرجل دون ريب. ومثلما كان عهد الإلهات الإناث سائداً في حقبة ما، فإن عهد الآلهة الذكور هو الذي شاع في هذه الحقبة التاريخية التي تعمها الطبقات والدول. إن هذه الحقيقة المتوارية في صميم التاريخ وزواياه المظلمة، والمتخفية وراء الستار الازدواجي المسدول من قبل الرجل تحت اسم "الشرف- الحرام"؛ سيُكشَف النقاب عنها وسَتَجِد معناها كلما ازداد مستوى الحرية الاجتماعية العامة المتمخضة عن الكفاح في سبيل الحرية.