Kurdî  |  Tirkî

تجيش المرأة هي الخطوة الأولى من نوعها في التاريخ العالمي

تجيش المرأة" الشامل الذي باشرت به قيادة PKK لا وجود له في العالم أبداً. إنه المثال الأول الذي تحقق في أوساط الشعب الكردي الذي طالما بقي عديم التنظيم طيلة تاريخه المديد. كما يبدو مفهوم العسكرتارية في واقع الشعب الكردي على أساس فلسفة خدمة الجميع عدا ذاته هو، كحقيقة تتجلى أمامنا هنا وفي واقع كافة الشعوب المضطهدة والمسحوقة. فالاغتراب عن الذات، والبُعد عن الإنتاج لأجل الذات، قد انعكس بكل مخاضاته الأليمة على حقيقة التجيش لدينا. بينما يشكل بناء جيش من شعب بعيد كل البعد عن واقع الحياة التنظيمية معضلة بحد ذاتها، فإن ضم المرأة أيضاَ إليه يزيد من صعوبة المسألة أكثر ويتضمن أخطاراً جسيمة. ما دام واقع الشعب بهذا الشكل، ما الذي أدى بقيادة PKK إلى التجرؤ على خطو خطوة كهذه؟ على ماذا اعتمدت في خطوتها التاريخية هذه؟ يتعلق هذا بمفهوم الحياة الذي تبنته قيادة PKK منذ البداية وبحثت عنه. فعزمها على تنظيم آمالها وتطلعاتها وجعلها مُلكاً لكل المجتمع، وعنادها في ذلك، ساعد على احتضانها كل الأخطار، أياً كانت حِدَّتها، في سبيل تكريس هذا النشاط؛ وحتى تطوير أنشطة تجيش المرأة على نحو واعٍ ومخطط أكثر. ذلك أن الهدف الأول من تجيش المرأة هو تعزيز الحياة على أسس حرة ومتساوية، والشرط الهام لتحقيق ذلك هو جعل المرأة طرفاً قوياً وعازماً إرادياً في الحياة.

 

معنى تجيش المرأة

تجيش المرأة الذي يعتبر إجراءاً هاماً لتكريس حرية المرأة، والخطوة الأولى من نوعها في التاريخ العالمي من حيث تنظيمها على هذا المستوى؟ لماذا دعت الحاجة إليه؟ إنه أمر ضروري حيث لا غنى عن تنظيم و مأسسة تجيش المرأة على كافة الأصعدة لأجل تكريس الحرية والمساواة. إذا كانت المرأة ترغب اكتساب ذاتها مرة أخرى، وتود سمو شقيقاتها من بنات جنسها، فعليها الإدراك تماماً بأنها محتاجة – حتى أكثر من الرجل– لتنظيم ذاتها، وأن عليها النجاح في التنظيم و التجيش ضمن حاكميتها هي من خلال إبداء الرغبة الجامحة لذلك، بل وحتى الشغف الكبير والروح العليا من المسؤولية أيضاً. المرأة بذاتها هي التي ستفوز في ذلك وتحققه، لأن الرجل يخاف دوماً من أن تصبح المرأة قوةً، خوفاً منه على فقدان سلطته أو تزعزعها. فهو تعلّم أن يكون وليّ أمرها أو آغاها أو سيدها أو رب المنزل في الأسرة. أي أنه المولّد للضغط والاضطهاد دوماً. من هنا، يتسم تقبل المرأة للسمو كمبدأ لها بأهمية حياتية، وبالتالي فتجيش المرأة أمر مبدئي. وقد تطورت فعاليات تجيش المرأة في عام 1993 كثمرة لهذا التقرب المبدئي، وكأول تجربة متحققة أسفرت عن تجارب وخبرات هامة للغاية بالنسبة لتاريخ المرأة. من المهم بمكان تقييم الجيش المتشكل في أحضان النظام الذكوري المهيمن بشكل عام قبل الدخول في تفاصيل فعاليات تجيش المرأة ومستوى التقدم الناجم عنها. ذلك أنه من المستحيل فهم تجيش المرأة وأهميته بالنسبة لها وللشعوب والإنسانية جمعاء، ما لم يُدرك هذا الأمر وما تمخض عنه من تأثيرات ومستجدات تاريخية في حياة الشعوب.

الهدف من تجيش المرأة

لماذا تجيش المرأة؟ الجواب الساطع والشفاف لهذا السؤال هو "لأنه أداة أساسية للمساواة". لكن لم يقصد بذلك تجيشاً بالمعنى العسكري فحسب منذ البداية، حيث اعتمد PKK باستمرار على الحقيقة القائلة بأنه لا يمكن إيجاد الحل السليم لمعضلة الحرية والمساواة المعقدة والعالقة، ما لم يتواجد تجيش المرأة، أي تنظيمها الخاص بها، في المجال الاقتصادي، وفي العديد من المؤسسات الاجتماعية والسياسية وحتى الثقافية. فتحرر جنس المرأة لن يتحقق إلا بترسيخ تنظيمها الأيديولوجي والسياسي والعسكري، أي تحقيق تجيشها، على أساس حقيقتها الجنسية وميزاتها الأصلية. من هنا تعد ظاهرة تجيش المرأة حقيقة صائبةً كخطوة تنظيمية أولى لفتح السبيل أمام حرية المرأة. تتسم هذه الخطوة بأهمية خاصة من حيث تحطيم القساوة والظلم في النظام الذكوري المهيمن ضمن حقيقة الجيش كأداة لتسيير الحرب التي هي تعبير مكثف عن السياسة؛ ومن حيث الكشف عن القوة الذاتية للمرأة وإبرازها إلى الوجود. يعبّر تجيش المرأة عن موقف مختلف ومميز حقاً إذا ما نظرنا إليه من زاوية المعايير الدولية القائمة حالياً، ومقاييس الرجل والمرأة الكلاسيكية الرثة والأعراف والأحكام الاجتماعية السائدة. و الأهم من ذلك فإن معالجة حقيقة كهذه كموضوع للنقاش وبالتالي تطبيقها على أرض الواقع بما يوازي ذلك، يعتبر ظاهرة تتطلب بالفعل جسارة كبرى في اليوم الراهن. ذلك أن تجيش المرأة يعبر عن وجود المرأة التي قضت على الاستعمار والاضطهاد الجنسي، وقطعت أواصر التبعية العمياء للرجل، واستهدفت الحرية لذاتها بدلاً من طراز الحياة التقليدية. فالتحرر الاجتماعي لن يتحقق بتأسيس المنظمات السياسية فحسب، بل يستلزم التنظيمات العسكرية أيضاً في مسألة التحرر الجنسي؛ إذ من الضروري، بل والحتمي، تأسيس المنظمات المصبوغة بلون وطابع المرأة ضد الحقيقة الذكورية التي تترك بصماتها على السياسة والعسكرية مائة بالمائة.

أسس الشعب الكردي جيشه الأصلي "جيش التحرير الشعبي الكردستاني ARGK" ضد الاضطهاد والظلم الذي عاناه قروناً عديدةً. لم يكن القضاء على مواقف الرجل الحاكم والمرأة العبدة بالأمر السهل في واقع هذا الجيش. من هنا تتميز خطوة PKK بتأسيس تجيش المرأة - رغم هذه الحقيقة الموجودة– بأهمية تاريخية. حصلت العديد من الثورات البورجوازية أو البروليتارية في العالم، إلا أن المرأة – دعك من أن تكون سلطة فيها– لم تقدر حتى على مشاطرة الرجل فيها بالريادة. فكلها تحققت كجيوش رجالية وبهيمنة ذكورية. لم تقبل الثورة الكردستانية بهذا الجانب من التاريخ، ووجهت إليه انتقادات حادة، واستهدفت بالتالي الارتقاء بالمرأة إلى مكانة تخلق فيها التاريخ وتشارك في السلطة، باعتبارها تشكل منتصف المجتمع. إذاً، من المهم بمكان تداول تجيش المرأة بوجهة نظر علمية والتعبير عنه بحقائق تاريخية. فهذه الظاهرة في PKK، ومكانة المرأة ودورها في الحرب، اتخذت أبعاداً شاملة لا يمكن قياسها بأي ثورة أخرى، حيث أنها تعبر عن مستوى تنظيمي رفيع لا نصادفه في أية حركة تحررية نسائية أو كفاحات ثورية أخرى ظهرت في التاريخ.

الهدف الثاني: من جانب آخر، فجذب المرأة الكردية المضطهدة بأضعاف تفوق آلاف المرات شقيقاتها الأخريات ضمن الواقع الشعبي المضطهد، إلى صفوف الحرب، وتأسيس تجيشها؛ إنما يدل على انطلاقة ثورية هامة تجاه كل المواقف والتقربات السائدة منذ أمد طويل. ذلك أن الجوهر الأصلي لتجيشها هو اجتماعي، وحتى ثقافي، ولا يمكن أن ينعكس على هذه الميادين ما لم تلعب المرأة دورها على الصعيدين العسكري والسياسي. و إلا فلا يمكن حصر معنى تجيش المرأة بمواقف عسكرية ضيقة أو بمجرد التواجد في صفوف الحرب الساخنة، بل يستلزم الإدراك أن التطور في النواحي الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية والثقافية هو الأرجح فيه، وكذلك مشاركتها في هذه الميادين، لأنه تنظيم الحرية. إذن، تجيش المرأة ليس مصطلحاً فظاً، بل على النقيض، هو انتقاد حاد لمنطق التجيش البارز منذ نشوئه وحتى حاضرنا، فالجيش ذو الطابع الرجولي يذكّرنا على الفور بمصطلحات لها علاقة وثيقة بالاستعمار والنهب، من قبيل الضغط، الشدة، التحكم، الاستيلاء. أما تجيش المرأة المتحقق في PKK فله دور بارز وحيوي في إضفاء لون المرأة وطابعها وجوهرها على الجيش الشعبي، وبالتالي إعاقة سيادة الخصائص الإقطاعية المتأتية من التكوينة الاجتماعية الكردية ضمن صفوف التجيش الشعبي، وإكسابه جوهراً ثورياً تقدمياً.

الهدف الثاني

أضحت الخطوات الأولى المخطوة في تأسيس وتوسيع تجيش المرأة انطلاقة تاريخية مميزة من حيث إكسابها سمات مغايرة لـARGK الناطق باسم إرادة الشعب، تميزه عن كافة جيوش الثورات الكلاسيكية من ناحية القوة التي أبرزها عملياً من جهة؛ وتغييرها لتصوير الجيش السائد على مر مسيرة التاريخ من جهة أخرى. فانتحاء التقدم بشكل أحادي الجانب سيكون مصيره الخسارة بالتأكيد مثلما حصل في الاشتراكية المشيدة. لهذه العلة لم تقبل قيادة PKK باتخاذ مسار أحادي في التقدم الثوري إطلاقاً، ولم تتبع مواقف من قبيل تسيير الثورة بدعامة واحدة أو الاعتماد فيها على القوى الحاكمة، بل اهتمت بتطويرها اعتماداً على قواها الذاتية. يستحيل لثورة ما أن تنهار إذا ما أنشئت على أساس المرأة كأكثر القطاعات اضطهاداً، ليسير فيها الشعب بمقتضى ذلك. لأجل هذا انهار الاتحاد السوفييتي، الذي غض النظر عن هذه الحقيقة فلم يضفِ الماهية الديمقراطية على علاقات المرأة والرجل، حتى قبل أن يتم مائة عام من عمره. يعد الاتحاد السوفييتي مثالاً صارخاً وجلياً على استحالة تطور الاشتراكية في طراز إداري لا يعترف بإرادة المرأة ولا تشترك فيه، أو في كيان اجتماعي يقبع فيه نصف البشرية تحت الاضطهاد والظلم. منه طور PKK الذي استنبط دروساً عظمى من هذه التجربة التاريخية، تجيش المرأة كنشاط أساسي للحفاظ على الجوهر الاشتراكي لأيديولوجيته وتعظيمها وإغنائها. ذلك أن الضغط والقمع والإجحاف يسود في المكان الذي تغيب فيه المساواة، ونظام كهذا لا يمكن أن يكون اشتراكياً. تواجدت في أوساط PKK أيضاً أجواء متفاوتة لا متساوية بالنسبة للمرأة من حيث الخبرات الحياتية والتنظيمية والعسكرية والسياسية والحاكمية على الطبيعة وغيرها العديد من المواضيع. لذا ولكي يزول هذا التفاوت والخلل من الوسط، كان لا بد من إمداد الطرف الضعيف - أي المرأة- بالقوة اللازمة. ما هذا سوى صُلب الاشتراكية الحقة، وبالتالي نُظرِ إلى تجيش المرأة على أنه ضرورة من ضرورات الاشتراكية.

في الحقيقة، يشير هذا النضال المسيّر في أوساط PKK إلى الإطاحة بالواقع التاريخي الذي طالما ساد لآلاف السنين. وبينما غدا تجيش المرأة انتقاداً وبديلاً عملياً لحقيقة الجيش الكلاسيكي الذي ما برح الرجل يراه عائداً له وخاصاً به لأنه الوسيلة التي أوجد بها ذاته على الأكثر؛ فالمعرض للاندثار والزوال هنا هو الطابع الذكوري المتسلط في الوقت ذاته. الجيش هو الواقعة التي أبرز فيها الرجل سماته إلى الوجود، نظمها بأكثر الأشكال صرامة، أسس فيها الشدة المدمرة للحياة، وكثف فيها قوته بأعتى الأشكال وأكثرها ضراوة. إنه البؤرة المولِّدة للقوة الذكورية المتسلطة التي تطبع الحياة بطابعها. ما دام الأمر كذلك، من المهم بمكان البدء بالتغيير المطلوب في الحياة أو النظام – أياً كان نوعه– من هذه النقطة. من الواضح تماماً أن فتح المجال لاحتلال المرأة مكانها في هذا الميدان الذي طالما وثقت فيه الهيمنة الذكورية (ونظام المجتمع الطبقي) بذاتها لأبعد الحدود، وسخرتها لسحق الشعوب والمرأة في أغلب الأحيان، ولجأت إليها بالأغلب للحد من الحريات وتهديدها وكبتها وقمعها؛ إنما يعني تأسيس جوهر المرأة وطابعها ولونها وإرادتها فيه بلا جدال، وزعزعة التفاوت والاضطهاد والإجحاف والظلم ودك دعائمه من الجذور، وإفساح المجال للسلام، لا للحرب. وإذا كان لا مفر من الحرب فلتكن حسب أصولها. إنه استرداد كل سُلبِ من المرأة والشعوب إليها. لو نظرنا من هذه الزاوية إلى المسألة فسنرى أن تجيش المرأة هو تماماً نشاط أيديولوجي يتضمن في جنباته إكساب تكوينة أيديولوجية وتنظيمية جديدة للمؤسسة التي رسخ فيها نظام المجتمع الطبقي ذو الهيمنة الذكورية المعتمدة على الحاكمية الأحادية الجانب ذاته وتحصن بها، وإلحاق الضربة القاضية به ونزع أسلحته منه في النقطة التي تمثل ذروة قوته ومنعته. الهدف  الآخر المرتقب من تجيش المرأة هو تطوير نهج الحرب الموازي للنهج الأيديولوجي المتبنى. فقد خاضت قيادة PKK، التي نظرت إلى مناضلية المرأة المتحققة على أنها القيمة الثورية الأسمى والأرقى، وأنها قوة التنظيم وسلاحه، صراعاً مريراً ومضنياً ضد انعكاسات المجتمع الطبقي من النواحي الأيديولوجية والحياتية والتنظيمية على صفوف النضال التحرري الوطني؛ وناضلت بلا هوادة لعرقلة تسربلها إلى نهج الحرب. بالتالي لم تقبل البتة بالمنطق الذي فرضه نهج العصاة المتواطئين بصدد الجيش والعسكرتارية، ولا بمفهومهم حول العنف والشدة، وعمدت دوماً إلى انتقادهم بحدّة في التحليلات الأيديولوجية التي قامت بها. من هنا يعد تجيش المرأة تدبيراً تنظيمياً وأيديولوجياً وعملياً متخذاً ضد نهج العصاة المتواطئين وميولهم ومساعيهم الانحرافية التي يفرضونها على النهج الصائب للحرب.

النقطة الهامة الأخرى التي انتبهت إليها قيادة PKK أثناء تطويرها لتجيش المرأة هي؛ تغيير المنطق القائل بأن المرأة ضعيفة جسدياً. وبالتالي يمكنها المساهمة في بعض الأنشطة بشكل محدود. قد يكون تجيش المرأة معجزة بالنسبة لمن يرفض أهمية وجود إرادة الإنسان في أراضي كردستان التي تتميز بظروفها الطبيعية القاسية والشاقة لأبعد الحدود، بسيادة نفوذ العديد من الدول المحطمة لإرادة الشعب. إلا أن PKK تداول المرأة من خلال إرادتها الذاتية وقوتها الفكرية، وليس بجسدها فحسب، وآمن كل الإيمان أنه بتطوير هذه النواحي فيها ستقوى جسدياً أيضاً. و بذلك أخرج هذه المسألة من كونها معجزة ليحوّلها إلى حقيقة مكرسة في الحياة. أدى حرمان المرأة من القوة، وتكبيل جسدها وأَسرِهِ، إلى تجذير العبودية فيها طيلة آلاف من السنين. وقد غدا هذا الضعف ذريعة لتعرضها للعديد من المواقف المستهترة والمستهزئة بها. مع العبور إلى المجتمع الطبقي استولى الرجل على كافة وسائل الإنتاج ليتحكم به، بينما راح من الطرف الآخر يصيغ الجانب الأيديولوجي المرتكز إلى الهيمنة الذكورية الأحادية الجانب، و مأسستها. كان الأسلوب الأساسي الذي اتبعه في ذلك هو استحقار جسد المرأة التي طالما خلقت الكثير من القيم المقدسة في التاريخ البشري، وإظهاره على أنه ضعيف هزيل وقبيح ويدعو للخجل منه. بالتالي ترتكز مشاعر الشعور بالخجل لتنشأ عليها المرأة منذ نعومة أظافرها، إلى فكرة كونها ناقصة جسدياً.

وعبر تجييش المرأة حيث تطورت لديها على الأقل فكرة "إذاً، أنا أيضاً يمكن أن أكون مسلحة، أستطيع البقاء على ذرى الجبال التي لم أتجرأ على صعودها سابقاً، أتمتع فيها بقوتي الذاتية للصمود والمسير، أستطيع التكلم، ويمكنني التحلي بالقوة". نبعت الكثير من الشهادات الأولى الحاصلة في صفوف الأنصار من الأخطاء الناجمة عن التكوينة الشخصية والاجتماعية البسيطة التي اكتسبتها المرأة. كما عانت مشقات جمة جسدياً، فعلى سبيل المثال كانت ردة فعلها للحفاظ على ذاتها وحمايتها تجاه أخطار الطبيعة أو هجمات العدو ضعيفة وهزيلة. نجم هذا الوضع من اغترابها عن الحياة والطبيعة، حيث أن بقاءها منعكفة على ذاتها بين الجدران الأربعة للمنزل منذ نشوء المجتمع الطبقي وحتى راهننا، أدى إلى ظهور تكوينة شخصية كهذه. من هذا المنطلق يعد تجيش المرأة نشاطاً أيديولوجياً وتنظيمياً وسياسياً وثقافياً، وكذلك عسكرياً إذ يعلِّمها كيف تتعرف على الطبيعة وتبدع التكتيكات اللازمة وتحمي ذاتها وترد على الهجمات الأعتداية التي تواجهها بحملات شاملة.

لا ريب في أن العسكرتارية واكتساب الخبرة والمهارة ليس بُعداً قائماً، بحد ذاته ولا يحتل مرتبة الصدارة، إلا أنه يعد ساحة تكتسب أهميتها أكثر لتتسم المرأة مجدداً بالقوة التي تؤهلها لاسترداد وتطوير بدنها - الذي يعود لها ولكنها مغتربة عنه – وفكرها وردود فعلها. أسفر الخلل والتفاوت الكبير للقوى في عالم الهيمنة الذكورية المتعشعشة في الحياة، عن ادخار القوى والطاقات لصالح المرأة، وتمتعها بالقدرة على تحليل ظاهرة الشدة، التي طالما تعرضت لها طيلة حياتها، واختبار ذاتها في كيفية التغلب عليها.

خرجت المرأة – حتى في أوساط الحرب– من كونها قوة يمكن سحقها بسهولة كما كان في الماضي، وصارت قوة تنظيمية يهابها الجميع ويحسب لها الحساب أكثر من غيرها.

كما أن تدريب القوة النسائية في فعاليات الجيش بمقتضى الانضباط العسكري وتربيتها عليه، وسعيها للمشاركة جسدياً على نحو أقوى وأكثر تنظيماً، واكتسابها لمَلَكات القدرة على حماية الذات تجاه قوى الطبيعة والعدو؛ ساعد على تكريس الانضباط وقواعد الحياة العسكرية بشكل أوطد في الجيش.

يتحتم النظر إلى أهمية تجيش المرأة بالنسبة للرجل أيضاً، حيث أُبعِد عن طريق هذا النشاط عن السلبيات الموجودة في المرأة من قبيل تأثيرات العبودية ومخاطر التبعية لضعفها وانسدادها ويأسها. فالمرأة الضعيفة خائرة القوى في المجتمع تظل طيلة حياتها تابعة للرجل تنتظر منه كل شيء في كل لحظة ليعيلها ويحميها، وهذا ما يحوّل الحياة إلى عذاب أليم بحد ذاته سواء بالنسبة للرجل أو المرأة على السواء. رغم وجود الضعف المتبادل في الطرفين إلا أن البنية الاجتماعية تعتقد دوماً بضرورة سيادة هيمنة الرجل المزيفة وقوته الوهمية. لأجل ذلك يظل طيلة حياته وليّ أمر المرأة والقائم على حمايتها، وتظل هي طيلة حياتها تحتمي به وتتوكل عليه. انعكس هذا الوضع على صفوفنا في المراحل الأولى من الثورة، بل وحتى الفترات الأولى من نشاطات تجيش المرأة، مما مهدّ السبيل لتكبدنا خسائر لا يستهان بها سواء في الحرب أو الحياة، وظهور الإشكاليات الثقيلة فيها، وتسبب في خسائر غير مناسبة ورخيصة جداً. انطلاقاً من ذلك، يراد من تجيش المرأة إلحاق الضربة القاضية بالجوانب السلبية للمرأة من قبيل استجداء الغير، الاستنجاد والالتجاء إلى المجاورين. كما يعتبر انتقاداً حاداً موجهاً إلى نمط تبنيه للمرأة، ورؤيته إياها كحمل وعبء والنظر إليها كأنها "سلعة يتوجب حملها، وتحمّل مشقاتها، ورميها في الحالات الصعبة والظروف الشاقة". إنه بداية مرحلة نضالية شاملة. إن ما غذّى مفهوم السلطة المزيفة لدى الرجل وأنعشه هو تبعية المرأة له ورؤيتها إياه كمصدر قوة وهيبة. إذا لم تقوّي المرأة ذاتها لا يمكن أن يتطور المفهوم السليم للقوة لدى الرجل، وما تجيشها سوى مداخلة على هذا الواقع، وعلى انعدام ثقتها بذاتها لدرجة كبيرة. إنه تحطيم للمفهوم المفروض عليها من قبل الحكام المهيمنين لآلاف السنين، والمتعشعش حتى النخاع فيها، والقائل بأن "المرأة عدم. لا نفع منها"؛ وبالمقابل تطوير مفهوم "يمكننا عمل كل شيء بالتأكيد، وحتى يمكننا التجيش أيضاً إذا أردنا" لدى المرأة.

لكي يتكرس هذا المفهوم انفصلت المرأة عن الرجل جسدياً بادئ الأمر، مما أسفر عن رؤيتها لجوانبها السلبية والإيجابية، القوية والضعيفة، بالمقابل فضحت نزوع الرجل الدائم إلى مواراة أخطائه وأسباب فشله بالمرأة والتحجج بها. أدى هذا الأمر إلى تمتع كلا الجنسين بالقوة والولوج في درب اكتساب شخصية مستقلة. ذلك أن التحلي بالقوة يمر من الاستقلالية. تعتبر الخبرات والتجارب الأولى في الانفصال على أساس الحرية بالنسبة للمرأة، خطوة عملية ملموسة للحقيقة التي أولتها القيادة مرتبة الصدارة من النواحي الثقافية والاجتماعية لتجيش المرأة. فانفصال المرأة جسدياً، وتحقيق عودتها إلى جوهرها، وشروعها بالتعرف على قوتها الكامنة وهويتها قد حصل مع تجيشها.

حصلت التصنيفات الجديدة ضمن القوة النسائية المتواجدة في صفوف الجيش على أساس التحليلات المتعلقة بتجيشها. وبدأ تنظيمها بشكل خاص بعد أن التحقت بنسبة نادرة لا مثيل لها في التاريخ. فالحركة الناشئة في ظروف الحرب، من الطبيعي أن تصوغ موديلاً تنظيمياً يوافق تلك الظروف. من هنا تطورت أولى التنظيمات النسائية على شكل وحدات نسائية مستقلة. في عام 1993 عاشت المرأة العديد من البدايات، حيث انتظمت على ذرى الجبال على شكل وحدات مستقلة، وعاشت مستقلة في نشاطاتها التدريبية، التمركز، تنظيم الحياة، عقد الاجتماعات، وحتى الانفصال نوعاً ما في العمليات العسكرية في الساحات والأماكن المناسبة، واحترافها فيها بشكل أفضل. إنها المرحلة التي تعرفت فيها على هويتها وجنسها بكل قوة والتقت بهما ودنت منهما، وبالتالي كوّنت كيانها الاجتماعي والروحي من جديد كامرأة. لقد تملصت حينها من وجهة النظر الذكورية المهيمنة بشأن ذاتها وجنسها وقوتها وجمالها، وتقربت دون أحكام مسبقة، بل مفعمة بإيمان كبير وثقة لا متناهية بذاتها. كما أنها انتبهت لعدم وجودها في الحياة بقوتها وإرادتها ورغبتها هي، وعدم المشاركة فيها بموجب ذلك. بالتالي بدأت بمحاسبة ذاتها وتعبئتها والتعمق في أمرها، وبذلت جهوداً حثيثة في هذا المضمار. وحتى يومنا هذا تقوم إننا نستمر بنضالنا الثوري والعسكري في جبال الحرية تحت اسم وحدات المرأة الحرة ستار YJA STAR.